استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات في التعليم

استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات في التعليم

استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات في التعليم

تُعد استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات من المداخل التربوية الحديثة التي أحدثت تحولًا نوعيًا في العملية التعليمية، إذ انتقلت بالمتعلم من دور المتلقي السلبي إلى دور الفاعل المشارك في بناء المعرفة وتحليلها وتوظيفها. ويأتي هذا التوجه استجابة للحاجة إلى تنمية مهارات التفكير العليا، وربط التعلم بالمواقف الواقعية، وتحسين جودة المخرجات التعليمية، بما ينسجم مع توجهات تطوير التعليم في المملكة العربية السعودية.

 

كيف يسهم التعلم النشط في تمكين المتعلم من التفكير والتحليل؟

شهد التعليم المعاصر تحولًا واضحًا من النماذج التقليدية القائمة على الشرح المباشر والحفظ، إلى نماذج تعليمية تركز على المتعلم بوصفه محور العملية التعليمية. ولم يعد الهدف الأساسي هو نقل المعرفة، بل تمكين المتعلم من التفكير والتحليل وحل المشكلات.

وفي هذا الإطار، تمثل استراتيجيات التعلم النشط إطارًا تربويًا يسهم في تنمية الفهم العميق، ويعزز التعلم القائم على المشاركة والتفاعل، ويهيئ المتعلم لمواجهة التحديات المعرفية والعملية.

 

الدوافع البحثية لدراسة استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات

تنطلق البحوث التربوية المعاصرة في تناول استراتيجيات التعلم النشط من الحاجة إلى تحسين نواتج التعلم، وتنمية مهارات التفكير العليا، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي داخل المواقف التعليمية، كالتالي:

  1. تحسين التحصيل الدراسي عبر الانتقال من الحفظ إلى الفهم والتحليل.
  2. تنمية مهارات التفكير التحليلي والنقدي لدى المتعلمين بصورة منهجية.
  3. إعداد متعلمين قادرين على التعامل مع المشكلات الواقعية داخل الصف وخارجه.
  4. تعزيز التعلم القائم على المشاركة الفاعلة بدل التلقي السلبي.
  5. تقويم فاعلية استراتيجيات التعلم النشط مقارنة بالأساليب التقليدية.
  6. دعم بناء تعلم ذي معنى قابل للتطبيق في سياقات تعليمية ومهنية متعددة.
  7. تنمية مهارات اتخاذ القرار المبني على التحليل والأدلة.
  8. ربط التعليم النظري بالممارسة العملية داخل البيئة التعليمية.
  9. تطوير الممارسات التدريسية استنادًا إلى أدلة بحثية واضحة.
  10. الإسهام في إعداد متعلم مفكر قادر على التحليل لا مجرد حافظ للمعلومات.

وانطلاقًا من هذه الدوافع البحثية المرتبطة بتطوير نواتج التعلم وتنمية التفكير، تبرز الحاجة إلى توضيح الإطار المفاهيمي للتعلم القائم على حل المشكلات بوصفه أحد أهم تطبيقات التعلم النشط. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال إلى تناول مفهوم التعلم القائم على حل المشكلات ضمن التعلم النشط لفهم أسسه النظرية ودوره في بناء تعلم فعّال قائم على التحليل والممارسة.

شريط1

مفهوم التعلم القائم على حل المشكلات ضمن التعلم النشط

يُعرَّف التعلم القائم على حل المشكلات بوصفه مدخلًا تعليميًا يُنظم حول تقديم مشكلة تعليمية حقيقية أو شبه حقيقية، تتطلب من المتعلمين تحليل المعطيات، وجمع المعلومات، واقتراح الحلول، واتخاذ القرار المناسب. ويستند هذا المدخل إلى النظرية البنائية التي ترى أن المعرفة تُبنى من خلال النشاط العقلي، وإلى التعلم الخبراتي الذي يربط التعلم بالممارسة.

ويتميز هذا النوع من التعلم بكونه تعلمًا متمركزًا حول المتعلم، يعتمد على التساؤل، ويُنمّي الاستقلالية والمسؤولية في التعلم.

 

أهم استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات

تُعد استراتيجيات التعلم النشط من أكثر المداخل التربوية فاعلية في التعامل مع المواقف التعليمية المعقدة، إذ تضع المتعلم في قلب المشكلة وتدعوه إلى التفكير والتحليل واتخاذ القرار، كما يلي:

1-التعلم القائم على المشكلات

يرتكز هذا المدخل على تقديم المحتوى في صورة مشكلة مفتوحة النهاية، ما يدفع المتعلم إلى تحليل الموقف، وتحديد أبعاده، والبحث عن حلول منطقية مدعومة بالأدلة، بما يعزز الفهم العميق والاستقلالية الفكرية.

2-التعلم القائم على المشروعات

يُكلف المتعلمون بإنجاز مشروعات تطبيقية ترتبط بمشكلات واقعية، تتطلب التخطيط والتنفيذ والتقويم، وهو ما يُسهم في دمج المعرفة النظرية بالتطبيق العملي وتنمية مهارات التفكير وحل المشكلات.

3-التعلم بالاكتشاف الموجَّه

يقوم على إتاحة الفرصة للمتعلمين لاكتشاف القواعد والمفاهيم بأنفسهم من خلال أنشطة وتجارب منظمة، مع تقديم توجيه محدود من المعلم، مما يعزز التحليل والاستنتاج المنهجي.

4-التعلم القائم على الاستقصاء

يُركز على معالجة المشكلات البحثية عبر طرح الأسئلة، وجمع البيانات، وتحليل الأدلة، وبناء الاستنتاجات، وهو مدخل يُنمّي التفكير العلمي وحل المشكلات المعقدة بصورة منهجية.

5-التعلم التعاوني لحل المشكلات

يعتمد على العمل الجماعي داخل مجموعات صغيرة، حيث يتبادل المتعلمون الأفكار والخبرات للوصول إلى حلول مشتركة، مما يدعم التفكير الجماعي وتعدد وجهات النظر.

6-التعلم القائم على دراسة الحالة

يُوظف مواقف واقعية أو شبه واقعية تتضمن مشكلات متعددة الأبعاد، ويُطلب من المتعلمين تحليلها واتخاذ قرارات مناسبة، ما يعزز الربط بين النظرية والتطبيق.

7-التعلم القائم على المحاكاة

يُتيح للمتعلمين التعامل مع مشكلات افتراضية تحاكي الواقع، مما يسمح بتجريب الحلول وتقييم نتائجها في بيئة آمنة تدعم التعلم من الخطأ.

8-التعلم القائم على التفكير التصميمي

يركز على فهم المشكلة من منظور المستخدم، وتوليد أفكار مبتكرة، واختبار الحلول، وهو مدخل يعزز الإبداع إلى جانب مهارات حل المشكلات.

9-التعلم القائم على السيناريوهات

يضع المتعلم أمام سيناريو تعليمي يتضمن مشكلة متدرجة التعقيد، تتطلب التحليل المرحلي واتخاذ قرارات متتابعة، بما يدعم التفكير المنظم.

10-التعلم القائم على التحديات

يُكلف المتعلمون بمواجهة تحدٍ تعليمي مفتوح يرتبط بقضية حقيقية، ما يدفعهم إلى توظيف المعرفة والمهارات في حل مشكلات ذات معنى.

وانطلاقًا من هذا التنوع في استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات، يتضح أنها لا تقتصر على تقديم المعرفة، بل تسهم في بناء قدرات عقلية عليا لدى المتعلم. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى مناقشة دور هذه الاستراتيجيات في تنمية مهارات حل المشكلات بوصفها مخرجًا تعليميًا أساسيًا في التعليم المعاصر.

 

دور استراتيجيات التعلم النشط في تنمية مهارات حل المشكلات

تُسهم أساليب التعلم النشط في تنمية مهارات حل المشكلات عبر نقل المتعلم من دور المتلقي إلى دور المحلل وصانع القرار، من خلال مواقف تعليمية تتطلب التفكير والتجريب والمقارنة بين البدائل، كما يلي:

1-تنمية مهارة تحليل المشكلة

تعمل أساليب التعلم النشط على تدريب المتعلم على تفكيك المشكلة إلى عناصرها الأساسية، وفهم طبيعتها وأبعادها، بدل التعامل معها بصورة سطحية، مما يُنمّي القدرة على التشخيص الدقيق للمواقف التعليمية.

2-تعزيز تفسير المعطيات والمعلومات

تُسهم هذه الأساليب في تمكين المتعلم من قراءة المعطيات وتحليلها وربطها بالسياق التعليمي، بما يساعده على استخلاص دلالات منطقية تدعم عملية حل المشكلة.

3-دعم التفكير في البدائل المتعددة

تُشجّع أساليب التعلم النشط المتعلم على توليد أكثر من حل محتمل للمشكلة الواحدة، ومقارنة هذه البدائل وفق معايير واضحة، ما يعزز المرونة الذهنية ويحد من التفكير النمطي.

4-ربط الأسباب بالنتائج

يكتسب المتعلم من خلال الممارسات النشطة القدرة على تتبع العلاقات السببية داخل المشكلة، وفهم أثر كل قرار على النتائج المتوقعة، وهو ما يُعد جوهر التفكير التحليلي.

5-دمج المعرفة النظرية بالتطبيق العملي

تُتيح أساليب التعلم النشط توظيف المفاهيم النظرية في مواقف تطبيقية واقعية، الأمر الذي يُسهم في تحويل المعرفة إلى أداة عملية لحل المشكلات.

6-تنمية مهارات اتخاذ القرار

من خلال المواقف التعليمية المفتوحة، يتعلم المتعلم كيفية اختيار الحل الأنسب في ضوء المعطيات المتاحة، وتحمل مسؤولية قراراته، بما يعزز الاستقلالية والكفاءة.

7-تعزيز التعلم من الخطأ

تُعد بيئات التعلم النشط بيئات آمنة للتجريب، حيث يتعلم المتعلم من المحاولات غير الناجحة، ويعيد تقييم الحلول، ما يُنمّي مهارة المراجعة الذاتية والتحسين المستمر.

8-بناء الثقة في القدرة على الحل

تُسهم الممارسة المتكررة لحل المشكلات داخل أنشطة التعلم النشط في تعزيز ثقة المتعلم بقدراته العقلية، وتشجعه على مواجهة مواقف جديدة بجرأة وفاعلية.

وانطلاقًا من هذا الدور المحوري لأساليب التعلم النشط في تنمية مهارات حل المشكلات، تبرز الحاجة إلى الانتقال نحو توضيح المراحل التطبيقية التي تُترجم هذه الأساليب إلى ممارسات تعليمية منظمة. ومن هنا تأتي أهمية تناول مراحل تطبيق استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات لفهم كيفية توظيفها بصورة منهجية داخل المواقف التعليمية.

 

مراحل تطبيق استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات

تُسهم أساليب التعلم النشط في تنظيم عملية حل المشكلات داخل الموقف التعليمي عبر مراحل مترابطة تُحوِّل التعلم إلى ممارسة تحليلية وتطبيقية، أبرزها:

أولا: تحديد المشكلة التعليمية

تبدأ العملية بتشخيص المشكلة وصياغتها صياغة تعليمية دقيقة تُبرز أبعادها وحدودها وتحدد الهدف من معالجتها، فيما يلي:

  1. صياغة المشكلة بلغة واضحة قابلة للفهم والتحليل.
  2. تحديد نطاق المشكلة وسياقها التعليمي.
  3. ربط المشكلة بأهداف التعلم المتوقعة.
  4. تحديد معايير النجاح في معالجتها.
  5. تحفيز المتعلمين على تبني المشكلة بوصفها تحديًا معرفيًا.

ثانيا: جمع المعلومات والبيانات

ينتقل المتعلمون إلى البحث المنظم عن المعطيات اللازمة لفهم المشكلة من مصادر متعددة وموثوقة، كالتالي:

  1. تحديد مصادر المعلومات المناسبة للمشكلة.
  2. التمييز بين البيانات ذات الصلة وغير ذات الصلة.
  3. تنظيم المعلومات بصورة منهجية.
  4. توثيق المصادر المستخدمة.
  5. مراجعة المعطيات للتحقق من دقتها.

ثالثا: تحليل المعطيات وتفسيرها

تُحلَّل البيانات المجمعة للكشف عن العلاقات والأنماط الداعمة لفهم المشكلة، كالاتي:

  1. تصنيف المعلومات وفق محاور التحليل.
  2. استخلاص العلاقات السببية بين المعطيات.
  3. تفسير النتائج الأولية في ضوء السياق.
  4. مقارنة المعطيات بفرضيات أولية.
  5. تحديد الفجوات المعرفية المتبقية.

رابعا: توليد البدائل والحلول

يُشجَّع المتعلمون على التفكير التباعدي لتوليد حلول متعددة للمشكلة، تشمل:

  1. اقتراح بدائل متنوعة دون إقصاء مبكر.
  2. توظيف المعرفة السابقة في توليد الحلول.
  3. الاستفادة من العمل الجماعي وتبادل الأفكار.
  4. توضيح منطق كل بديل مقترح.
  5. توقع نتائج كل حل محتمل.

خامسا: تقييم الحلول الممكنة

تُفاضَل البدائل وفق معايير واضحة لاختيار الحل الأكثر ملاءمة، كما يلي:

  1. تحديد معايير التقييم (الجدوى، الأثر، الموارد).
  2. مقارنة الحلول بناءً على الأدلة.
  3. تحليل المخاطر المصاحبة لكل بديل.
  4. ترتيب البدائل حسب الأولوية.
  5. اختيار الحل الأنسب للمشكلة.

سادسا: تنفيذ الحل المختار

تُترجم القرارات إلى إجراءات تطبيقية داخل الموقف التعليمي، فيما يلي:

  1. وضع خطة تنفيذ واضحة ومحددة الخطوات.
  2. توزيع الأدوار والمسؤوليات.
  3. توفير الموارد اللازمة للتنفيذ.
  4. متابعة التقدم وفق الجدول الزمني.
  5. تعديل التنفيذ عند ظهور معوقات.

سابعا: تقويم النتائج والمخرجات

يُقاس أثر الحل المنفذ على المشكلة وأهداف التعلم، كالتالي:

  1. مقارنة النتائج المتحققة بالأهداف المحددة.
  2. تحليل نقاط القوة والقصور في الحل.
  3. استخدام أدوات تقويم متنوعة.
  4. توثيق المخرجات والنتائج.
  5. استخلاص دلائل التحسن أو الحاجة للتعديل.

ثامنا: استخلاص الدروس والتعلم المستدام

تُختتم العملية بتعميم الخبرات المستفادة لتعزيز التعلم طويل الأمد، كما يلي:

  1. تلخيص ما تم تعلمه من التجربة.
  2. ربط الدروس المستفادة بمواقف جديدة.
  3. تعزيز مهارات المراجعة الذاتية.
  4. تدعيم الثقة بقدرة المتعلم على الحل.
  5. توظيف الخبرة في مشكلات مستقبلية.

وانطلاقًا من وضوح هذه المراحل وتكاملها، يتبين أن فاعلية التطبيق تعتمد على توزيع الأدوار داخل الصف. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى مناقشة دور المعلم والمتعلم في التعلم النشط القائم على حل المشكلات لفهم كيف يُسهم كل طرف في توجيه المسار وتحقيق نواتج تعلم ذات معنى.

شريط2

تكامل أدوار المعلم والمتعلم في استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات

تقوم استراتيجيات التعلم النشط على إعادة توزيع الأدوار داخل الموقف التعليمي بما يضمن انتقال مركز التعلم من المعلم إلى المتعلم، مع الحفاظ على التوجيه التربوي المنهجي، فيما يلي:

1-المعلم بوصفه ميسرًا للتفكير

يتجاوز دور المعلم حدود الشرح المباشر ليصبح منظمًا لمسار التفكير، يطرح أسئلة عميقة، ويوجه النقاش نحو التحليل والاستنتاج، بما يدعم بناء تعلم قائم على الفهم لا التلقين.

2-المعلم كمصمم للمواقف التعليمية

يسهم المعلم في صياغة مشكلات تعليمية واقعية ومناسبة لمستوى المتعلمين، بما يضمن ارتباط التعلم بسياقات حقيقية تحفّز التفكير وحل المشكلات.

3-المعلم كداعم للتعلم الذاتي

يقدم المعلم التغذية الراجعة البنّاءة في الوقت المناسب، ويشجع المتعلمين على مراجعة أفكارهم وتحسين حلولهم دون فرض مسار واحد للتفكير.

4-المتعلم بوصفه محور التعلم

يتحول المتعلم إلى عنصر فاعل في تحليل المشكلة، وجمع المعلومات، وبناء التفسيرات، واتخاذ القرار، ما يعزز الاستقلالية والمسؤولية عن التعلم.

5-المتعلم كمحلل وباحث

يمارس المتعلم مهارات التفكير التحليلي من خلال تفكيك المشكلة، وربط المعطيات، ومقارنة البدائل، بما يسهم في بناء معرفة ذات معنى.

6-التفاعل المعرفي داخل الصف

يُسهم الحوار وتبادل وجهات النظر بين المتعلمين في توسيع آفاق التفكير، وتصحيح المفاهيم، وبناء فهم مشترك قائم على الأدلة.

7-التعلم التشاركي كبيئة داعمة

يوفر التعلم النشط مناخًا تعليميًا قائمًا على التعاون ويسمي ذلك التعلم التعاوني حيث يتعلم المتعلمون من بعضهم البعض، ويتشاركون المسؤولية في الوصول إلى الحلول.

8-بناء الثقة والدافعية للتعلم

يعزز وضوح الأدوار شعور المتعلم بالكفاءة والقدرة على مواجهة المشكلات، ما يرفع مستوى الدافعية ويشجعه على الاستمرار في التعلم.

9-تحقيق التوازن بين التوجيه والاستقلالية

يسهم التكامل بين أدوار المعلم والمتعلم في تحقيق توازن تربوي يضمن جودة التعلم دون إضعاف استقلالية التفكير.

10-دعم نواتج التعلم العميق

ينعكس هذا التكامل في تحسين جودة المخرجات التعليمية، وبناء متعلم قادر على التحليل والتطبيق في مواقف جديدة.

وانطلاقًا من هذا التكامل في الأدوار داخل الموقف التعليمي، تتجه الحاجة إلى تحليل الأدلة البحثية التي تناولت أثر هذه الاستراتيجيات. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى مناقشة فاعلية استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات في الدراسات السابقة بوصفها الأساس العلمي الذي يفسّر أثرها في تحسين نواتج التعلم وتنمية مهارات التفكير.

 

الأدلة البحثية على فاعلية استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات

تشير الأدبيات التربوية الحديثة إلى أن استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات تمثل مدخلًا فعالًا لتحسين جودة التعلم، لما لها من أثر مباشر في تنمية الفهم العميق والتفكير التحليلي، فيما يلي:

1-تحسين التحصيل الدراسي

أظهرت الدراسات أن توظيف المشكلات التعليمية يسهم في رفع مستوى التحصيل من خلال تعزيز الفهم بدل الاعتماد على الحفظ والاسترجاع.

2-تنمية مهارات التفكير العليا

أكدت نتائج البحوث فاعلية هذه الاستراتيجيات في تنمية التحليل، والاستدلال، والتقويم، بوصفها مهارات أساسية للتعلم المتقدم.

3-تعزيز التعلم ذي المعنى

بيّنت الدراسات أن التعلم القائم على المشكلات يساعد المتعلمين على ربط المعرفة بالسياق، مما يؤدي إلى تعلم طويل الأمد.

4-دعم تطبيق المعرفة

أظهرت النتائج قدرة المتعلمين على توظيف ما تعلموه في مواقف جديدة، وهو مؤشر مهم على جودة التعلم.

5-رفع مستوى الدافعية

أكدت الدراسات أن المشاركة في حل المشكلات التعليمية تزيد من دافعية المتعلمين وانخراطهم في التعلم.

6-تحسين التفاعل الصفي

ساهمت هذه الاستراتيجيات في تعزيز الحوار والنقاش داخل الصف، بما يدعم تبادل الأفكار وبناء الفهم المشترك.

7-تنمية مهارات اتخاذ القرار

أوضحت البحوث أن مواجهة مشكلات مفتوحة النهاية تُنمّي قدرة المتعلمين على المفاضلة بين البدائل واتخاذ قرارات منطقية.

8-تعزيز الاستقلالية في التعلم

أشارت الدراسات إلى أن المتعلمين يصبحون أكثر اعتمادًا على الذات في البحث والتحليل عند استخدام هذه الاستراتيجيات.

9-ملاءمتها لمراحل تعليمية مختلفة

بينت النتائج فاعلية التعلم القائم على حل المشكلات في مراحل تعليمية متعددة مع اختلاف مستوى التعقيد.

10-توافقها مع التوجهات التربوية الحديثة

أكدت الدراسات انسجام هذه الاستراتيجيات مع فلسفة التعليم المعاصر التي تركز على المتعلم ومهارات القرن الحادي والعشرين.

ورغم ما تشير إليه الدراسات السابقة من نتائج إيجابية، فإن تطبيق هذه الاستراتيجيات في الواقع التعليمي يواجه عددًا من التحديات العملية والتنظيمية. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى تناول التحديات التي تواجه تطبيق استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات لفهم معوقات التنفيذ وسبل معالجتها تربويًا.

 

التحديات التي تواجه تطبيق استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات

تواجه استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات عند تطبيقها في البيئات التعليمية الواقعية مجموعة من التحديات التي قد تحد من فاعليتها إذا لم تُدار بصورة منهجية، أبرزها:

  1. ضيق الوقت المخصص للحصص الدراسية مقارنة بمتطلبات تنفيذ أنشطة حل المشكلات بصورة متكاملة.
  2. كثافة المناهج الدراسية التي تُضعف قدرة المعلم على التعمق في المشكلات التعليمية.
  3. محدودية تدريب بعض المعلمين على تصميم مشكلات تعليمية ذات جودة تربوية.
  4. صعوبة الانتقال من الدور التقليدي للمعلم إلى دور الميسر والموجه.
  5. تفاوت قدرات المتعلمين في مهارات التحليل والتفكير وحل المشكلات.
  6. صعوبات تقويم عمليات التفكير مقارنة بسهولة تقويم النتائج النهائية.
  7. نقص الأدوات التقويمية التي تقيس التفكير التحليلي والاستدلالي بدقة.
  8. إدارة الصفوف الكبيرة أثناء تنفيذ أنشطة تتطلب تفاعلًا ونقاشًا موسعًا.
  9. مقاومة بعض المتعلمين لأساليب التعلم التي تتطلب جهدًا معرفيًا مرتفعًا.
  10. الحاجة إلى دعم إداري ومؤسسي يضمن استدامة تطبيق هذه الاستراتيجيات.

وانطلاقًا من هذه التحديات التطبيقية، تتضح أهمية النظر إلى السياق التعليمي بوصفه عاملًا حاسمًا في نجاح أو تعثر التنفيذ. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال لمناقشة استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات في السياق التعليمي السعودي لفهم مدى توافقها مع السياسات التعليمية الوطنية، ومتطلبات التطوير، وفرص التطبيق الفعّال في ضوء رؤية المملكة للتعليم.

 

استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات في السياق التعليمي السعودي

تُعد استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات من المداخل التي تحظى بأهمية متزايدة في السياق التعليمي السعودي، نظرًا لانسجامها مع توجهات التطوير وجودة المخرجات التعليمية، تشمل:

  1. دعم التحول من التعليم القائم على التلقين إلى التعلم القائم على التفكير والتحليل.
  2. تنمية مهارات حل المشكلات المرتبطة بسياقات واقعية من البيئة المحلية.
  3. تعزيز مواءمة نواتج التعلم مع متطلبات سوق العمل السعودي.
  4. رفع مستوى مشاركة المتعلمين ودافعيتهم للتعلم داخل الصف.
  5. تمكين المعلمين من توظيف ممارسات تدريس حديثة قائمة على المواقف التعليمية.
  6. دعم تنمية مهارات التفكير العليا بوصفها هدفًا استراتيجيًا للتعليم.
  7. تعزيز التكامل بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي في المناهج.
  8. تحسين جودة التعلم في التعليم العام والجامعي على حد سواء.
  9. الإسهام في إعداد متعلمين قادرين على الابتكار واتخاذ القرار.
  10. تحقيق الاتساق مع مستهدفات رؤية المملكة في بناء رأس مال بشري منافس.

وانطلاقًا من هذا التوجه الداعم لتبني هذه الاستراتيجيات في السياق التعليمي السعودي، تبرز الحاجة إلى تقويم فاعليتها بصورة علمية ومنهجية. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال إلى تناول تقويم فاعلية استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات للكشف عن أثرها الحقيقي في نواتج التعلم، وتحسين آليات التطبيق، وضمان استدامة مخرجاتها التعليمية.

 

تقويم فاعلية استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات

يُعد تقويم استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات خطوة أساسية للحكم على جودة التطبيق وفاعليته، إذ يتيح الكشف عن أثرها الحقيقي في نواتج التعلم وتطوير الممارسات التدريسية، كما يلي:

1-تقويم مهارات حل المشكلات

يركز هذا النوع من التقويم على قياس قدرة المتعلم على تحليل المشكلة، وتحديد معطياتها، واقتراح حلول منطقية، بعيدًا عن الاكتفاء بالإجابات النهائية.

2-تقويم التفكير التحليلي

يهتم بتقويم العمليات العقلية التي يوظفها المتعلم أثناء حل المشكلة، مثل الربط والاستنتاج والمقارنة، بوصفها مؤشرًا على عمق التعلم.

3-التقويم بالأداء الأدائي

يعتمد على مهام تطبيقية تحاكي مواقف واقعية، يُطلب فيها من المتعلم توظيف معرفته ومهاراته في معالجة مشكلات ذات معنى.

4-الملاحظة المنظمة

تُستخدم لمتابعة سلوك المتعلم أثناء التفاعل مع المشكلة، ورصد أساليب التفكير، ومستوى المشاركة، والتعاون داخل الصف.

5-تقويم العمليات لا النتائج فقط

يركز هذا المدخل على تقويم خطوات التفكير ومسار الحل، لا الاكتفاء بالحكم على صحة الحل النهائي، بما يعكس طبيعة التعلم النشط.

6-التقويم البنائي المستمر

يُطبق أثناء سير التعلم، ويهدف إلى تقديم تغذية راجعة فورية تساعد على تعديل مسار التفكير وتحسين الأداء.

7-التقويم الذاتي للمتعلم

يسهم في تدريب المتعلم على مراجعة أدائه، وتحليل قراراته، وتحديد نقاط القوة والقصور في معالجته للمشكلة.

8-تقويم الأقران

يعزز تبادل الخبرات بين المتعلمين، ويُنمّي قدرتهم على النقد البنّاء وتحليل حلول الآخرين في إطار تعاوني.

9-التصميمات البحثية التجريبية

تُستخدم لقياس أثر هذه الاستراتيجيات بصورة علمية، من خلال مقارنة نتائج مجموعات تجريبية وضابطة.

10-التفسير التربوي للنتائج

يُعد خطوة محورية لفهم دلالات نتائج التقويم وربطها بالأهداف التعليمية، بما يضمن توظيفها في تحسين الممارسة التعليمية وتطوير فاعلية التطبيق.

شريط3

الخاتمة

يُستنتج مما سبق أن استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات تمثل مدخلًا تربويًا فعّالًا لتحسين جودة التعليم وتنمية مهارات التفكير العليا، متى ما طُبقت ضمن إطار منهجي واضح ودعم مؤسسي مناسب. ويُسهم هذا المدخل في إعداد متعلمين يمتلكون القدرة على التحليل وحل المشكلات واتخاذ القرار، بما يواكب متطلبات التعليم الحديث والخصوصية التعليمية في المملكة العربية السعودية.

 

دور منصة إحصائي في دراسة استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات

تدعم منصة إحصائي الباحثين في تصميم الدراسات التربوية التي تقيس أثر استراتيجيات التعلم النشط القائمة على حل المشكلات، وتحليل بيانات التحصيل ومهارات التفكير باستخدام الأساليب الإحصائية المناسبة، وتفسير النتائج وربطها بالأدبيات التربوية الحديثة، وعرض النتائج وفق معايير التحكيم الأكاديمي المعتمدة في الجامعات السعودية.

 

المراجع

Dixit, B., Bedekar, M., Jahagirdar, A., & Sathe, N. (2021). Role of active learning techniques in development of problem-solving skillsJournal of Engineering Education Transformations, 670-674.‏

 

Shopping Cart
Scroll to Top