شرح الفرق بين البحث النظري والتطبيقي
الفرق بين البحث النظري والتطبيقي يُعد من أكثر الإشكالات حضورًا في تفكير الباحثين وطلاب الدراسات العليا، لا بوصفه تمييزًا اصطلاحيًا بسيطًا، بل باعتباره مدخلًا حاسمًا لتحديد منطق البحث، وطبيعة إسهامه العلمي، وحدود نتائجه. وتتجلى أهمية هذا الفرق حين يُساء توظيف أحد النمطين في سياق لا يناسبه، فتفقد الدراسة تماسكها المنهجي أو تُقيَّم خارج إطارها الصحيح.
وينطلق هذا المقال من الحاجة إلى تفكيك هذا الفرق تفكيكًا أكاديميًا رصينًا، عبر تحليل أبعاده المعرفية والمنهجية، وتوضيح انعكاساته على تصميم البحث وأسئلته وأدواته، مع مراعاة نية الباحث وما يبحث عنه فعليًا عند مواجهة هذا التساؤل. وفي هذا السياق، يسعى المقال إلى تقديم إطار تحليلي يساعد الباحث على اتخاذ قرار واعٍ بشأن نمط البحث الذي يخدم إشكاليته العلمية، دون الوقوع في خلط شائع بين الغاية النظرية والتطبيق العملي.
ما المقصود بـ الفرق بين البحث النظري والتطبيقي في السياق الأكاديمي؟
يُقصد بـ الفرق بين البحث النظري والتطبيقي التمييز المنهجي بين نمطين من البحث العلمي يختلفان في الغاية المعرفية وطبيعة المخرجات، لا في القيمة العلمية. فالبحث النظري ينطلق من بناء المفاهيم والنماذج وتفسير الظواهر في إطار تجريدي، بينما يوجَّه البحث التطبيقي نحو معالجة مشكلات واقعية محددة باستخدام المعرفة العلمية. ويُعد الفرق بين البحث النظري والتطبيقي إطارًا حاكمًا لتصميم البحث وأسئلته وأدواته. كما يؤثر مباشرة في كيفية تقييم الدراسة وتحكيمها أكاديميًا.
ما أوجه الاختلاف الجوهرية بين البحث النظري والبحث التطبيقي؟
يتجسّد الفرق بين البحث النظري والتطبيقي في أبعاد منهجية ومعرفية متمايزة تُحدّد مسار الدراسة ومخرجاتها، وتشمل على النحو الآتي:
- ينطلق البحث النظري من غاية تفسيرية وتجريدية، بينما يركّز البحث التطبيقي على حل مشكلة واقعية محددة.
- يعتمد البحث النظري على بناء المفاهيم والنماذج، في حين يوظّف البحث التطبيقي هذه النماذج في سياق عملي.
- تتسم أسئلة البحث النظري بالعمومية، مقابل أسئلة تطبيقية مرتبطة بسياق زماني ومكاني واضح.
- يستخدم البحث النظري مصادر معرفية ثانوية غالبًا، بينما يعتمد البحث التطبيقي على بيانات ميدانية أو تجريبية.
- تكون مخرجات البحث النظري إسهامات مفاهيمية، في حين تتمثل مخرجات البحث التطبيقي في توصيات قابلة للتنفيذ.
- يقيَّم البحث النظري بعمق الإطار التفسيري، بينما يُقيَّم البحث التطبيقي بمدى فاعلية الحلول المقترحة.
- يسمح البحث النظري بتعميم أوسع، في حين يلتزم البحث التطبيقي بحدود السياق المدروس.
- تختلف أدوات التحليل باختلاف الغاية، إذ تميل النظرية للتحليل المفاهيمي، والتطبيقي للتحليل الإجرائي.
ويمهد الفرق بين البحث النظري والتطبيقي للانتقال إلى سؤال الباحث التالي المتعلّق بكيفية اختيار النمط الأنسب لبحثه في ضوء أهدافه وسياقه الأكاديمي.

كيف يختار الباحث بين البحث النظري والتطبيقي؟
يمثّل الفرق بين البحث النظري والتطبيقي نقطةً محورية في اتخاذ القرار المنهجي لدى الباحث، إذ يتوقف عليها مسار الدراسة وأهدافها وطبيعة النتائج المتوقعة. ويُعد فهم هذا الفرق خطوة أساسية لاختيار الاتجاه البحثي الأكثر توافقًا مع المشكلة العلمية وسياقها البحثي، وذلك كما يلي:
1-طبيعة المشكلة البحثية
يبدأ الاختيار من تحليل طبيعة المشكلة نفسها؛ فإذا كانت المشكلة تتعلق بتفسير مفهوم أو تطوير إطار نظري، كان البحث النظري هو المسار الأنسب، بينما تميل المشكلات العملية ذات الأبعاد التطبيقية إلى البحث التطبيقي بطبيعته الإجرائية.
2-الهدف العلمي للدراسة
يرتبط البحث النظري بأهداف معرفية تتمثل في الفهم والتفسير والبناء المفاهيمي، في حين يسعى البحث التطبيقي إلى إحداث تغيير أو تحسين في واقع محدد. وضوح الهدف يساعد الباحث على تجنّب الخلط بين الغاية النظرية والتطبيق العملي.
3-طبيعة الأسئلة البحثية
تتسم الأسئلة في البحث النظري بطابع تجريدي أو تفسيري عام، بينما تكون أسئلة البحث التطبيقي أكثر تحديدًا وارتباطًا بسياق زماني ومكاني. ويُعد اتساق الأسئلة مع نمط البحث معيارًا حاسمًا في الاختيار.
4-نوع البيانات المتاحة
يعتمد البحث النظري غالبًا على مصادر معرفية ونصوص علمية ودراسات سابقة، في حين يتطلب البحث التطبيقي بيانات ميدانية أو تجريبية. وتؤثر طبيعة البيانات المتاحة في إمكانية تبنّي أحد النمطين دون الآخر.
5-الإطار النظري المستخدم
يُشكّل الإطار النظري في البحث النظري جوهر الدراسة ومحورها الرئيس، بينما يؤدي في البحث التطبيقي وظيفة تفسيرية مساندة للنتائج. هذا الاختلاف ينعكس على تصميم الدراسة وبنيتها العامة.
6-السياق الأكاديمي والمؤسسي
يفرض أحيانًا السياق المؤسسي أو متطلبات البرنامج الأكاديمي نمطًا بحثيًا معينًا، ما يستدعي من الباحث مواءمة اختياره مع هذه المتطلبات دون الإخلال بالمنطق العلمي للدراسة.
7-متطلبات التحكيم والنشر
تختلف معايير تحكيم البحوث النظرية عن التطبيقية من حيث التركيز على الأصالة المفاهيمية أو الفاعلية العملية. ويُسهم الوعي بهذه المعايير في توجيه الباحث نحو النمط الأكثر ملاءمة لنشره المستهدف.
8-القيمة العلمية المتوقعة
لا تُقاس القيمة العلمية بكون البحث نظريًا أو تطبيقيًا، بل بمدى اتساقه الداخلي وإسهامه الحقيقي في المعرفة. ويُعد اختيار النمط المناسب خطوة أساسية لتحقيق هذه القيمة.
وفي سياق استيعاب الفرق بين البحث النظري والتطبيقي بوصفه تمايزًا منهجيًا لا تعارضًا بالضرورة، يبرز تساؤل جوهري حول إمكانية الجمع بين البحث النظري والتطبيقي في دراسة واحدة.
هل يمكن الجمع بين البحث النظري والتطبيقي في دراسة واحدة؟
يُثير الفرق بين البحث النظري والتطبيقي تساؤلًا مهمًا حول إمكانية الدمج بينهما في دراسة واحدة، خاصة في البحوث التي تسعى إلى الربط بين التأصيل العلمي والتطبيق العملي، كالتالي:
1-منطق التكامل بين البعدين
لا يقوم الجمع السليم على المزج الشكلي، بل على تكامل وظيفي يكون فيه الإطار النظري موجّهًا للتحليل، بينما يُستخدم التطبيق لاختبار الفرضيات أو تفسير الظواهر في واقع محدد.
2-تحديد موقع كل بُعد داخل التصميم
يستلزم الدمج تحديدًا واضحًا لموضع البحث النظري داخل الدراسة، سواء في بناء المفاهيم أو صياغة الفرضيات، مقابل تحديد موضع البحث التطبيقي في جمع البيانات وتحليلها.
3-ضبط العلاقة بين الإطار النظري والنتائج
يتحقق الدمج المنهجي عندما تُناقش النتائج التطبيقية في ضوء الإطار النظري، لا بمعزل عنه، بما يسمح بتفسيرها علميًا دون تحويل الدراسة إلى تقرير عملي محض.
4-تجنّب ازدواجية الأهداف البحثية
من أبرز أخطار الدمج غير المنضبط تعدد الأهداف وتشتتها، لذا يجب أن يخدم البعدان هدفًا علميًا واحدًا محددًا بوضوح منذ بداية الدراسة.
5-مواءمة الأدوات مع طبيعة الدمج
يتطلب الجمع اختيار أدوات بحثية تسمح بقياس المتغيرات التطبيقية دون الإخلال بالمنطلقات النظرية، وهو ما يستدعي وعيًا بمنهجية كل أداة وحدودها.
6-الانتباه لمتطلبات التحكيم الأكاديمي
يميل بعض المحكّمين إلى التحفّظ على الدراسات المزدوجة إذا افتقدت الوضوح المنهجي، لذا يُعد التبرير العلمي للدمج عنصرًا حاسمًا في قبول هذا النوع من الأبحاث.
7-الحفاظ على الاتساق الداخلي للدراسة
يشكّل الاتساق بين أجزاء الدراسة معيارًا رئيسًا للحكم على نجاح الدمج، إذ يجب أن تتكامل الأقسام النظرية والتطبيقية دون تناقض أو انفصال.
8-القيمة المعرفية الناتجة عن الدمج
عند ضبطه منهجيًا، يتيح الجمع بين البحث النظري والتطبيقي إنتاج معرفة أكثر عمقًا، تجمع بين التفسير المفاهيمي والفائدة العملية في آن واحد.
وبناءً على إدراك الفرق بين البحث النظري والتطبيقي وما يفرضه من تباين في الأهداف والمنهجيات ومخرجات البحث، تتجه الأنظار إلى كيفية تعامل المحكّمين الأكاديميين مع هذا الاختلاف عند تقييم الدراسات النظرية والتطبيقية.

كيف يقيّم المحكّمون الأكاديميون الدراسات النظرية والتطبيقية؟
يرتبط الفرق بين البحث النظري والتطبيقي ارتباطًا مباشرًا بمعايير التقييم المعتمدة لدى المحكّمين الأكاديميين، إذ تختلف أدوات الحكم ومؤشرات الجودة باختلاف طبيعة الدراسة وأهدافها العلمية، كالاتي:
1-وضوح الانتماء المنهجي للدراسة
ينظر المحكّمون عند إيضاح الفرق بين البحث النظري والتطبيقي بدايةً إلى مدى وضوح انتماء الدراسة إلى البحث النظري أو التطبيقي، لأن الغموض في هذا الجانب يُعد مؤشرًا على ضعف التصميم المنهجي واختلال منطق البحث.
2-اتساق الإشكالية مع نمط البحث
يُقيَّم البحث النظري بمدى عمق الإشكالية وقدرتها على توليد نقاش مفاهيمي، بينما يُقيَّم البحث التطبيقي بمدى ارتباط المشكلة بواقع قابل للمعالجة. ويُعد هذا الاتساق معيارًا حاسمًا في الحكم الأولي.
3-سلامة الإطار النظري ووظيفته
في البحث النظري يُمثّل الإطار النظري جوهر الدراسة، بينما يؤدي في البحث التطبيقي وظيفة تفسيرية مساندة. ويقيس المحكّمون مدى توظيف هذا الإطار بما يخدم طبيعة البحث دون إفراط أو تهميش.
4-ملاءمة المنهج والأدوات المستخدمة
يُولي التحكيم الأكاديمي اهتمامًا كبيرًا بمدى ملاءمة المنهج والأدوات لنمط البحث، إذ يُعد استخدام أدوات تطبيقية في دراسة نظرية، أو العكس، خللًا منهجيًا يؤثر في مصداقية النتائج.
5-عمق التحليل مقابل فاعلية النتائج
يركّز تقييم البحث النظري على عمق التحليل المفاهيمي وقدرته على الإضافة المعرفية، بينما يركّز تقييم البحث التطبيقي على فاعلية النتائج وإمكان توظيفها عمليًا ضمن حدود الدراسة.
6-انضباط التفسير وحدود التعميم
يفحص المحكّمون مدى التزام الباحث بحدود التفسير التي يفرضها نمط البحث، سواء في تعميم النتائج النظرية أو في تقييد النتائج التطبيقية بسياقها الزماني والمكاني.
7-وضوح القيود المنهجية
يُنظر بإيجابية إلى الدراسات التي تُصرّح بقيودها المنهجية بوضوح، سواء كانت نظرية أو تطبيقية، لأن هذا التصريح يعكس وعيًا علميًا ونضجًا بحثيًا.
8-القيمة العلمية المضافة
في النهاية، لا يُحكَم على الدراسة بكونها نظرية أو تطبيقية، بل بمدى ما تضيفه فعليًا إلى المعرفة العلمية أو الممارسة العملية، ضمن منطقها المنهجي الخاص.
ويُفضي هذا التقييم التحكيمي إلى سؤال أخير يشغل الباحثين، ويتعلق بالأخطاء الشائعة التي يقع فيها الباحث عند الخلط غبر المنضبط في الفرق بين البحث النظري والتطبيقي.
ما الأخطاء الشائعة عند الخلط بين البحث النظري والتطبيقي؟
يؤدي الخلط غير المنضبط في الفرق بين البحث النظري والتطبيقي إلى اختلالات منهجية تؤثر في تصميم الدراسة وتفسير نتائجها، وتتمثل أبرز هذه الأخطاء فيما يلي:
- صياغة مشكلة بحث عامة ثم محاولة معالجتها بأدوات تطبيقية دون إطار نظري داعم.
- توظيف إطار نظري موسّع في دراسة تطبيقية محدودة السياق دون ضرورة منهجية.
- الخلط بين أهداف تفسيرية نظرية وأهداف إجرائية تطبيقية داخل الدراسة الواحدة.
- استخدام أدوات جمع بيانات ميدانية في بحث يفترض أن يكون تحليليًا نظريًا.
- التوسّع في تعميم نتائج تطبيقية خارج حدود العينة أو السياق المدروس.
- عرض نتائج وصفية على أنها إسهام نظري دون تحليل مفاهيمي كافٍ.
- إغفال تبرير اختيار نمط البحث بما يتوافق مع طبيعة الإشكالية البحثية.
- تجاهل متطلبات التحكيم الخاصة بكل نمط بحثي عند كتابة الدراسة.
ويُمهّد رصد هذه الأخطاء في الفرق بين البحث النظري والتطبيقي الى تبلور تساؤلات مهمة حول الدوافع التي تجعل بعض الباحثين يفضّلون البحث النظري على البحث التطبيقي في الدراسات العليا.
لماذا يفضّل بعض الباحثين البحث النظري على البحث التطبيقي في الدراسات العليا؟
يُبرز الفرق بين البحث النظري والتطبيقي تباينًا واضحًا في توجهات الباحثين خلال مرحلة الدراسات العليا، حيث يميل بعضهم إلى البحث النظري لما يتيحه من عمق تأصيلي ومرونة منهجية في تناول الإشكالات العلمية، تشمل:
1-طبيعة التكوين الأكاديمي للباحث
ينشأ كثير من الباحثين في بيئات تعليمية تركّز على القراءة والتحليل المفاهيمي أكثر من التدريب الميداني، ما يجعل البحث النظري امتدادًا طبيعيًا لتكوينهم العلمي وقدراتهم التحليلية.
2-الإحساس بالتحكّم المنهجي
يمنح البحث النظري الباحث درجة أعلى من التحكّم في المادة العلمية، إذ يتعامل مع نصوص ونماذج ومفاهيم يمكن ضبطها وتحليلها دون التعرض لإشكالات التطبيق الميداني وتقلباته.
3-محدودية الوصول إلى الميدان
يواجه بعض الباحثين صعوبات عملية في الوصول إلى الميدان أو الحصول على بيانات تطبيقية، سواء لأسباب إدارية أو أخلاقية أو زمنية، ما يجعل البحث النظري خيارًا واقعيًا في ظل هذه القيود.
4-الاعتقاد بقبول أكاديمي أوسع
يسود لدى بعض الباحثين انطباع بأن الدراسات النظرية تحظى بقبول أسهل لدى بعض المحكّمين، خاصة في التخصصات الإنسانية، إذا ما اتسمت بالعمق والتحليل المفاهيمي الرصين.
5-التركيز على الإضافة المعرفية
يسمح البحث النظري بإنتاج إضافات معرفية تتمثل في تطوير مفاهيم أو نماذج أو رؤى تفسيرية جديدة، وهو ما يراه بعض الباحثين إسهامًا علميًا أعمق من الحلول التطبيقية المحدودة السياق.
6-تجنّب المخاطر المنهجية للتطبيق
ينطوي البحث التطبيقي على أخطار تتعلق بجودة البيانات، وحجم العينة، وصلاحية الأدوات، وهي عوامل قد تهدد سلامة الدراسة، في حين يُنظر إلى البحث النظري على أنه أقل عرضة لهذه الإشكالات.
7-متطلبات الوقت والموارد
غالبًا ما يتطلب البحث التطبيقي وقتًا أطول وموارد إضافية للتنفيذ الميداني، بينما يُعد البحث النظري أكثر قابلية للإنجاز ضمن الجداول الزمنية الصارمة للدراسات العليا.
8-طبيعة التخصص الأكاديمي
تفرض بعض التخصصات بطبيعتها توجهًا نظريًا أقوى، حيث يكون الاشتغال على المفاهيم والنظريات هو المسار الرئيس للإنتاج العلمي، ما يعزز تفضيل هذا النمط من البحث.
وانطلاقًا من فهم الفرق بين البحث النظري والتطبيقي بوصفه محدِّدًا رئيسًا لطبيعة المسار المنهجي للدراسة، يبرز التساؤل حول مدى انعكاس هذا الاختيار على تصميم خطة البحث وبنائها العلمي.
كيف يؤثر اختيار البحث النظري أو التطبيقي على تصميم خطة البحث؟
ينعكس الفرق بين البحث النظري والتطبيقي بصورة مباشرة على بناء عناصر خطة البحث، إذ يحدد هذا الاختيار طبيعة الإطار المنهجي وأدوات الدراسة وتسلسلها الإجرائي، فيما يلي:
1-صياغة مشكلة البحث وحدودها
تتسم مشكلة البحث في الدراسات النظرية بالاتساع المفاهيمي والتركيز على الإطار التفسيري، بينما تُصاغ في الدراسات التطبيقية ضمن حدود زمانية ومكانية واضحة، بما يحدّد نطاق الخطة منذ بدايتها.
2-بناء أسئلة البحث أو فرضياته
تميل أسئلة البحث النظري إلى الطابع التفسيري أو التحليلي، في حين تُبنى أسئلة البحث التطبيقي على اختبار علاقات أو تقييم تدخلات، ويؤثر هذا الاختلاف في هيكلة الخطة وتسلسلها المنطقي.
3-تحديد الأهداف البحثية
تتجه أهداف البحث النظري إلى الإسهام في المعرفة وبناء النماذج، بينما تركز أهداف البحث التطبيقي على إحداث أثر عملي أو تقديم حلول. ويُعد اتساق الأهداف مع النمط المختار معيارًا أساسًا لقبول الخطة.
4-اختيار المنهج البحثي
يفرض البحث النظري مناهج تحليلية أو نقدية أو تاريخية، في حين يستدعي البحث التطبيقي مناهج وصفية أو تجريبية أو شبه تجريبية. ويؤدي سوء الاختيار هنا إلى خلل منهجي جوهري في الخطة.
5-طبيعة أدوات جمع البيانات
تعتمد الخطة النظرية على أدوات تحليل نصوص ووثائق ودراسات سابقة، بينما تتطلب الخطة التطبيقية أدوات ميدانية مثل الاستبيانات أو المقابلات أو التجارب، وهو ما يغيّر بنية الخطة ومتطلباتها الإجرائية.
6-تصميم مجتمع الدراسة وعينتها
لا يبرز مفهوم المجتمع والعينة في البحث النظري بنفس الدرجة التي يظهر بها في البحث التطبيقي، حيث يُعد تحديدهما عنصرًا محوريًا يؤثر في صلاحية النتائج وتعميمها.
7-خطة التحليل وأساليبه
يركّز التحليل في البحث النظري على البناء المفاهيمي والمقارنات الفكرية، بينما يعتمد البحث التطبيقي على التحليل الإحصائي أو الإجرائي، ما يستلزم تخطيطًا مختلفًا داخل الخطة البحثية.
8-عرض القيود المنهجية المتوقعة
تختلف القيود في كل نمط؛ فالقيود النظرية تتعلق بحدود الأدبيات والنماذج، بينما ترتبط القيود التطبيقية بجودة البيانات والتنفيذ الميداني. ويعكس وضوح هذه القيود نضج تصميم الخطة.
وانطلاقًا من فهم الفرق بين البحث النظري والتطبيقي بوصفه عاملًا حاكمًا في اختيار المسار المنهجي للدراسة، يبرز التساؤل حول أثر هذا الفرق في تحديد أدوات جمع البيانات وطبيعتها.
ما أثر الفرق بين البحث النظري والتطبيقي على أدوات جمع البيانات؟
ينعكس الفرق بين البحث النظري والتطبيقي بصورة مباشرة على اختيار أدوات جمع البيانات ووظيفتها داخل الدراسة، إذ لا تُعد الأداة عنصرًا محايدًا، بل امتدادًا منطقيًا لطبيعة البحث وغاياته، ويتضح هذا الأثر عبر المحاور الآتية:
1-وظيفة الأداة في البناء المنهجي
تؤدي الأداة في البحث النظري وظيفة تحليلية تفسيرية، تُستخدم لفحص النصوص والنماذج والمفاهيم، بينما تؤدي في البحث التطبيقي وظيفة قياسية أو تشخيصية مرتبطة بجمع بيانات من الواقع المدروس.
2-طبيعة البيانات المستهدفة
يستهدف البحث النظري بيانات معرفية ثانوية، مثل الدراسات السابقة والوثائق والنصوص، في حين يستهدف البحث التطبيقي بيانات أولية تُجمع مباشرة من الميدان، ما يفرض اختلافًا جوهريًا في نوع الأداة المختارة.
3-معايير الصدق والثبات
تُناقش معايير الصدق في البحث النظري من زاوية الاتساق المنطقي والتفسير المفاهيمي، بينما تُقاس في البحث التطبيقي من خلال إجراءات إحصائية واختبارات معيارية، وهو ما يغيّر من طريقة توظيف الأداة وتبريرها.
4-مستوى التقنين المطلوب
لا يتطلب البحث النظري أدوات مقننة بالمعنى الإجرائي، بقدر ما يتطلب إطارًا تحليليًا منضبطًا، في حين يُعد تقنين الأداة شرطًا أساسيًا في البحث التطبيقي لضمان سلامة القياس.
5-دور الباحث في إنتاج البيانات
في البحث النظري يكون الباحث محللًا للمادة العلمية القائمة، بينما يتحول في البحث التطبيقي إلى فاعل مباشر في إنتاج البيانات من خلال تصميم الأداة وتطبيقها، وهو اختلاف يؤثر في المسؤولية المنهجية.
6-تأثير الأداة على حجم الدراسة
تفرض الأدوات التطبيقية متطلبات تتعلق بحجم العينة ومدة الجمع، ما قد يوسّع من نطاق الدراسة، في حين يظل حجم البحث النظري مرتبطًا بعمق التحليل لا بعدد المشاركين.
7-أخطاء شائعة في اختيار الأداة
يقع بعض الباحثين في خطأ استخدام أدوات ميدانية في دراسات ذات طابع نظري، أو الاكتفاء بتحليل وثائق في دراسة يفترض أن تكون تطبيقية، وهو ما يُعد خللًا منهجيًا شائعًا.
8-نظرة المحكّمين لملاءمة الأداة
يركّز المحكّمون على مدى انسجام الأداة مع نمط البحث المختار، ويُعد عدم التوافق بينهما من أبرز أسباب التحفظ أو الرفض في التحكيم الأكاديمي.
ويُفضي هذا الأثر المباشر لاختيار الأداة إلى التساؤل الأخير قبل الخاتمة، والمتعلّق بانعكاس الفرق بين البحث النظري والتطبيقي على نتائج الدراسة ومناقشتها. وبهذا تكتمل الأبعاد التحليلية لمعرفة الفرق بين البحث النظري والتطبيقي، بما يتيح الانتقال إلى خلاصة جامعة تربط بين أنماط البحث وآثارها المنهجية والتطبيقية.

الخاتمة
يتبيّن من مجمل التحليل أن الفرق بين البحث النظري والتطبيقي ليس مسألة تصنيف شكلي، بل قرار منهجي حاكم ينعكس على جميع مراحل البحث العلمي، من تحديد الإشكالية وصياغة الأسئلة إلى اختيار الأدوات وتفسير النتائج. وقد أظهر المقال أن سوء الفهم أو الخلط بين النمطين يقود إلى اختلالات بنيوية تُضعف الاتساق الداخلي للدراسة وتعرّضها لملاحظات تحكيمية جوهرية. كما اتضح أن القيمة العلمية لا تُقاس بطبيعة البحث بقدر ما تُقاس بمدى ملاءمته لأهدافه وسياقه وقدرته على الإسهام المعرفي أو التطبيقي ضمن حدوده المنهجية. وبناءً على ذلك، فإن وعي الباحث بهذا الفرق، وتوظيفه بوعي نقدي، يُعد شرطًا أساسيًا لإنتاج بحث رصين قابل للتحكيم والنشر الأكاديمي.
كيف تسهم منصة إحصائي في توضيح الفرق بين البحث النظري والتطبيقي؟
يُعد الفرق بين البحث النظري والتطبيقي من أكثر القضايا المنهجية التي تُربك الباحثين في المراحل الأولى من إعداد الدراسة، وتبرز هنا أهمية الدعم المتخصص في توجيه الاختيار المنهجي بما يتوافق مع طبيعة المشكلة البحثية وأهدافها، الآتي:
- تقدّم المنصة مراجعة منهجية لتصميم البحث بما يضمن اتساق الإشكالية مع النمط المختار وأدواته.
- تدعم تحديد المنهج وأساليب التحليل المناسبة لطبيعة البحث النظري أو التطبيقي وحدود تفسير نتائجه.
- تسهم في كشف مواطن الخلل المنهجي قبل التحكيم، خاصة ما يتصل بالخلط بين الأهداف والأدوات.
- تعزّز الوعي المنهجي لدى الباحث عبر استشارات علمية قائمة على الخبرة والتخصص الأكاديمي.
المراجع
Roll-Hansen, N. (2017). A historical perspective on the distinction between basic and applied science. Journal for General Philosophy of Science, 48(4), 535-551.



