التعلم القائم على الاستقصاء ودوره في تنمية مهارات البحث العلمي
يُعد التعلم القائم على الاستقصاء من المداخل التربوية الحديثة التي تسهم في تحويل المتعلم من مستقبلٍ للمعلومة إلى باحثٍ نشطٍ يشارك في إنتاج المعرفة من خلال التساؤل، وجمع البيانات، وتحليلها، وبناء الاستنتاجات. وقد اكتسب هذا المدخل أهمية متزايدة في التعليم المعاصر لما له من دور محوري في تنمية مهارات البحث العلمي، وتعزيز التفكير العلمي، وبناء متعلم قادر على الاستقصاء المنهجي، بما ينسجم مع توجهات تطوير التعليم في المملكة العربية السعودية.
التعلم القائم على الاستقصاء وأثره في بناء التفكير العلمي
شهدت الأنظمة التعليمية الحديثة تحولًا واضحًا من التعليم القائم على التلقين إلى التعلم الذي يركز على التساؤل والاستقصاء بوصفه أساسًا لبناء المعرفة. ولم يعد الهدف مقتصرًا على إكساب المتعلم معلومات جاهزة، بل أصبح يتمثل في تمكينه من مهارات البحث والتحليل والتفسير.
وفي هذا السياق، يُمثل التعلم القائم على الاستقصاء أحد أبرز استراتيجيات التعلم النشط التي تضع البحث في صميم العملية التعليمية، وتُسهم في إعداد متعلمين يمتلكون القدرة على التفكير العلمي المنهجي.
مفهوم التعلم القائم على الاستقصاء
يُعرَّف التعلم القائم على الاستقصاء بأنه استراتيجية تعليمية تعتمد على توجيه المتعلمين لطرح الأسئلة، واستكشاف الظواهر، وجمع الأدلة، وتحليل البيانات، والتوصل إلى استنتاجات مدعومة بالبرهان. ويستند هذا المدخل إلى النظرية البنائية التي ترى أن المعرفة تُبنى من خلال النشاط العقلي والتفاعل مع البيئة، وإلى التعلم الاستقصائي الذي يركز على البحث والتجريب.
وتتعدد أنماط التعلم القائم على الاستقصاء بين الاستقصاء الموجه، وشبه الموجه، والمفتوح، وفق درجة تدخل المعلم ومستوى استقلالية المتعلم.
لماذا يتجه الباحثون إلى دراسة التعلم القائم على الاستقصاء في التعليم المعاصر؟
تنطلق الدراسات التربوية التي تتناول التعلم القائم على الاستقصاء من كونه مدخلًا فاعلًا لتنمية مهارات البحث العلمي والتفكير المنهجي لدى المتعلمين، ونقلهم من دور المتلقي إلى دور المنتج للمعرفة، كالاتي:
- تنمية مهارات البحث العلمي بوصفها مخرجًا أساسيًا للعملية التعليمية الحديثة.
- تعزيز التفكير العلمي القائم على الملاحظة والتحليل والتفسير.
- تدريب المتعلمين على صياغة الأسئلة العلمية الهادفة.
- تنمية القدرة على بناء الفرضيات واختبارها بصورة منهجية.
- تحسين مهارات جمع البيانات وتحليل النتائج وربطها بالأدلة.
- دعم الانتقال من الاستهلاك المعرفي إلى الإنتاج العلمي.
- تعزيز التعلم القائم على التساؤل والاستقصاء بدل الحفظ والتلقين.
- تطوير الممارسات التدريسية بما ينسجم مع متطلبات التعليم المعاصر.
- إعداد متعلمين يمتلكون أدوات التفكير العلمي منذ المراحل الدراسية المبكرة.
- ربط التعليم بالبحث العلمي بوصفه مسارًا مستدامًا لبناء المعرفة.
وانطلاقًا من هذه الدوافع البحثية المرتبطة بتعزيز التفكير العلمي لدى المتعلمين، تبرز الحاجة إلى توضيح الإطار المفاهيمي لمهارات البحث العلمي كما تناولتها الأدبيات التربوية. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال إلى تناول مفهوم مهارات البحث العلمي في الدراسات التربوية لفهم أبعاده النظرية ودوره في دعم التعلم القائم على الاستقصاء وبناء المعرفة المنهجية.

مفهوم مهارات البحث العلمي في الدراسات التربوية
يرتبط التعلم القائم على الاستقصاء ارتباطًا وثيقًا بتنمية مهارات البحث العلمي، إذ يهيئ المتعلم لممارسة عمليات البحث بصورة فعلية داخل الموقف التعليمي، ويعزز التعلم العميق القائم على الفهم والتحليل، كالتالي:
1-تحديد المشكلة البحثية
يسهم هذا المدخل في تدريب المتعلم على رصد الظواهر التعليمية وتحويلها إلى مشكلات بحثية واضحة، بما يعزز دقة التفكير وبناء نقطة انطلاق منهجية للبحث.
2-صياغة الأسئلة البحثية
يدعم التعلم القائم على الاستقصاء قدرة المتعلم على صياغة أسئلة بحثية هادفة، تعكس فهمًا لطبيعة المشكلة وتسهم في توجيه مسار البحث.
3-بناء الفرضيات
يُنمّي هذا الأسلوب مهارة بناء الفرضيات العلمية المنطقية، من خلال ربط المعارف السابقة بالملاحظات الجديدة داخل الموقف الاستقصائي.
4-جمع البيانات
يتيح للمتعلمين ممارسة جمع البيانات بطرائق متنوعة، مثل الملاحظة والتجريب والبحث، بما يعزز الوعي بأدوات البحث وأساليبه.
5-تحليل البيانات
يساعد المتعلم على تحليل البيانات وتنظيمها وتفسير العلاقات بينها، وهو ما يدعم التفكير التحليلي والقدرة على الاستدلال العلمي.
6-تفسير النتائج
يعزز التعلم القائم على الاستقصاء مهارة تفسير النتائج في ضوء الفرضيات والأطر النظرية، والتمييز بين النتائج المدعومة بالأدلة وغير المدعومة.
7-استخلاص الاستنتاجات
يُسهم في تدريب المتعلم على استخلاص استنتاجات منطقية قائمة على التحليل، وربط النتائج بالسياق البحثي العام.
8-تنمية الاستقلالية البحثية
يدعم هذا المدخل استقلالية المتعلم في إدارة عملية البحث، واتخاذ القرارات العلمية، وتحمل مسؤولية التعلم والبحث الذاتي.
وانطلاقًا من هذا العرض لمفهوم مهارات البحث العلمي وأبعاده التربوية، تتجه الحاجة إلى تحليل الكيفية التي يسهم بها التعلم القائم على الاستقصاء في تنمية هذه المهارات بصورة تطبيقية داخل البيئات التعليمية. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى مناقشة دور التعلم القائم على الاستقصاء في تنمية مهارات البحث العلمي لفهم آليات التفعيل وأثرها في تحسين جودة التعلم والمخرجات البحثية.
إسهام التعلم القائم على الاستقصاء في بناء الكفايات البحثية لدى المتعلمين
يُعد التعلم القائم على الاستقصاء مدخلًا تربويًا فاعلًا لترسيخ مهارات البحث العلمي، إذ ينقل المتعلم من تلقي المعرفة إلى ممارستها عبر التساؤل والتحليل وبناء الاستنتاجات على أسس منهجية، كما يلي:
1-تنمية مهارة التساؤل العلمي
يساعد هذا المدخل المتعلمين على تحويل الفضول إلى أسئلة بحثية هادفة، تُوجّه عملية البحث وتُحدد مسار الاستقصاء بصورة منهجية.
2-ممارسة جمع المعلومات
يُتيح للمتعلمين جمع المعلومات من مصادر متعددة، مع التمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة، بما يعزز الوعي بأخلاقيات البحث.
3-تحليل الأدلة والبيانات
يدعم القدرة على تنظيم البيانات وتحليلها وربطها بالسؤال البحثي، وهو ما يُنمّي التفكير التحليلي والاستدلال العلمي.
4-بناء الفرضيات واختبارها
يُنمّي مهارة صياغة الفرضيات المنطقية واختبارها في ضوء الأدلة المتاحة، بما يعزز التفكير العلمي القائم على البرهان.
5-الربط بين النظرية والتطبيق
يسهم في توظيف الأطر النظرية لتفسير النتائج العملية، ويُقرّب المسافة بين المفاهيم المجردة والتطبيقات الواقعية.
6-تنمية التفكير النقدي
يعزز القدرة على تقويم النتائج، ومناقشة التفسيرات البديلة، واكتشاف مواطن القصور أو التحيز في الاستنتاجات.
7-عرض النتائج ومناقشتها
يُنمّي مهارات عرض النتائج بصورة منظمة، والدفاع عنها بالحجج والأدلة، بما يدعم التواصل العلمي الرصين.
8-تعزيز الاستقلالية البحثية
يساعد المتعلم على إدارة خطوات البحث ذاتيًا، واتخاذ قرارات علمية واعية، وتحمل مسؤولية التعلم والبحث المستقل.
وانطلاقًا من هذا الدور المحوري في تنمية مهارات البحث العلمي، تبرز الحاجة إلى توضيح المراحل الإجرائية التي يُترجم من خلالها هذا المدخل إلى ممارسة تعليمية منظمة. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال إلى مناقشة مراحل تطبيق استراتيجية التعلم القائم على الاستقصاء لفهم تسلسلها وضبط ممارساتها بما يحقق أهداف التعلم والبحث بكفاءة.
مراحل تطبيق استراتيجية التعلم القائم على الاستقصاء
يعتمد التعلم بالاستقصاء على تسلسل مرحلي منظم يوجّه المتعلم لممارسة البحث بصورة منهجية، من طرح السؤال إلى تحليل النتائج وبناء الاستنتاجات، بما يعزز الفهم العميق ويُنمّي مهارات البحث العلمي، أبرزها:
أولا: تحديد المشكلة أو السؤال الاستقصائي
تنطلق مراحل التعلم بالاستقصاء بتحديد مشكلة أو سؤال واضح يوجّه مسار البحث ويحدّد نطاقه، فيما يلي:
- صياغة السؤال بصورة دقيقة وقابلة للفحص.
- ربط المشكلة بسياق واقعي أو علمي ذي معنى.
- تحديد حدود الاستقصاء ومتغيراته الأساسية.
- توضيح أهداف الاستقصاء للمتعلمين.
ثانيا: التخطيط لعملية الاستقصاء
يركّز التعلم بالاستقصاء في هذه المرحلة على إعداد خطة عمل منهجية، كالتالي:
- اختيار أدوات الاستقصاء المناسبة لطبيعة المشكلة.
- تحديد مصادر المعلومات والبيانات.
- توزيع المهام وتنظيم خطوات العمل.
- وضع جدول زمني لتنفيذ الاستقصاء.
ثالثا: جمع المعلومات والبيانات
ينتقل التعلم بالاستقصاء إلى مرحلة التنفيذ العملي وجمع البيانات، كالآتي:
- استخدام الملاحظة أو التجريب أو البحث الوثائقي.
- توثيق البيانات بدقة ومنهجية.
- التحقق من صدق المعلومات ومصادرها.
- تنظيم البيانات تمهيدًا لتحليلها.
رابعا: تحليل البيانات
يُفعّل التعلم بالاستقصاء التفكير التحليلي عند معالجة البيانات المجمعة، تشمل:
- تصنيف البيانات وتنظيمها في جداول أو رسوم.
- البحث عن أنماط أو علاقات ذات دلالة.
- مقارنة النتائج بالتوقعات أو الفرضيات.
- استبعاد التفسيرات غير المدعومة بالأدلة.
خامسا: تفسير النتائج
يُسهم التعلم بالاستقصاء في بناء الفهم من خلال تفسير النتائج، كما يلي:
- ربط النتائج بالسؤال الاستقصائي الأصلي.
- تفسير المعطيات في ضوء الإطار النظري.
- مناقشة الأسباب المحتملة للنتائج.
- توضيح دلالات النتائج العلمية والتربوية.
سادسا: بناء الاستنتاجات
يركّز التعلم بالاستقصاء هنا على استخلاص المعرفة، بما يلي:
- صياغة استنتاجات منطقية قائمة على الأدلة.
- التمييز بين النتائج والاستنتاجات العامة.
- ربط الاستنتاجات بأهداف الاستقصاء.
- التحقق من اتساق الاستنتاجات مع البيانات.
سابعا: عرض النتائج ومناقشتها
يعزز التعلم بالاستقصاء مهارات التواصل العلمي، على النحو التالي:
- تقديم النتائج بصورة منظمة وواضحة.
- مناقشة النتائج مع الزملاء أو المعلم.
- الدفاع عن الاستنتاجات بالحجج والأدلة.
- الاستفادة من التغذية الراجعة لتحسين الفهم.
ثامنا: التقويم والتأمل في مسار الاستقصاء
تُختتم مراحل التعلم بالاستقصاء بالتقويم والتأمل، تشمل:
- تقويم جودة النتائج ومسار الاستقصاء.
- تحديد نقاط القوة والقصور في الأداء.
- استخلاص دروس لتحسين الاستقصاءات المستقبلية.
- تعزيز التعلم الذاتي والتطوير المستمر.
وانطلاقًا من هذا التسلسل المرحلي المتكامل، يتضح أن فاعلية التطبيق ترتبط بتكامل الأدوار داخل الموقف التعليمي. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى مناقشة دور المعلم والمتعلم في التعلم القائم على الاستقصاء لفهم آليات التوجيه والدعم، ومسؤوليات المتعلم في البحث وبناء المعرفة بصورة منهجية وفاعلة.

تكامل الأدوار التعليمية في بيئة التعلم القائم على الاستقصاء
يقوم التعلم القائم على الاستقصاء على توزيع متوازن للأدوار داخل الموقف التعليمي، بما يضمن توجيهًا منهجيًا يدعم البحث دون مصادرة استقلالية المتعلم، ويعزز بناء المعرفة عبر الممارسة الفعلية للاستقصاء، كما يلي:
1-المعلم موجهًا لمسار البحث
يضطلع المعلم بتوجيه مسار الاستقصاء عبر طرح أسئلة إرشادية تساعد المتعلمين على تحديد الاتجاه الصحيح للبحث دون تقديم إجابات جاهزة.
2-المعلم منظمًا للبيئة التعليمية
يهيئ المعلم بيئة تعليمية داعمة تتوافر فيها الأدوات والموارد اللازمة للاستقصاء، بما يسهّل ممارسة البحث بصورة منهجية وآمنة.
3-المعلم ضابطًا للمنهجية
يسهم المعلم في ضمان التزام المتعلمين بخطوات البحث العلمي، وتصويب الانحرافات المنهجية أثناء تنفيذ الاستقصاء.
4-المعلم مقدمًا للتغذية الراجعة
يوفر المعلم تغذية راجعة بنّاءة خلال مراحل الاستقصاء، تساعد على تحسين جودة الأسئلة والتحليل والاستنتاج.
5-المتعلم باحثًا نشطًا
يؤدي المتعلم دور الباحث من خلال صياغة الأسئلة، وجمع البيانات، والتفاعل مع مصادر المعرفة المختلفة بصورة فاعلة.
6-المتعلم محللًا للبيانات
يقوم المتعلم بتحليل البيانات وتفسيرها في ضوء السؤال الاستقصائي، بما يعزز التفكير العلمي والاستدلال المنطقي.
7-المتعلم بانيًا للمعرفة
يسهم المتعلم في بناء المعرفة عبر استخلاص الاستنتاجات وربطها بالإطار النظري، بدل الاكتفاء بتلقي النتائج.
8-التكامل بين الدورين
يؤدي التكامل بين توجيه المعلم ونشاط المتعلم إلى تحقيق استقصاء تربوي فعّال يدعم الاستقلالية العلمية وجودة المخرجات التعليمية.
وانطلاقًا من هذا التكامل في الأدوار داخل بيئة التعلم، تتجه الحاجة إلى استعراض ما توصلت إليه الدراسات التربوية حول أثر هذا المدخل على نواتج التعلم ومهارات البحث العلمي. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى مناقشة فاعلية التعلم القائم على الاستقصاء في نتائج الدراسات السابقة بوصفها الأساس العلمي الداعم لتبني هذه الاستراتيجية في الممارسات التعليمية المعاصرة.
إلى أي مدى تثبت الدراسات السابقة فاعلية التعلم بالاستقصاء؟
تشير الأدبيات التربوية إلى أن التعلم بالاستقصاء يرتبط بتحسين نواتج التعلم وبناء مهارات البحث العلمي، من خلال إشراك المتعلم في عمليات التفكير والتحليل والتطبيق بصورة منهجية، كالاتي:
1-تنمية مهارات البحث العلمي
أظهرت الدراسات أن المشاركة في أنشطة استقصائية تعزز مهارات تحديد المشكلة وصياغة الأسئلة وبناء الفرضيات بصورة منظمة.
2-تحسين التحصيل الدراسي
بيّنت النتائج ارتفاع مستويات التحصيل لدى المتعلمين، نتيجة الاعتماد على الفهم والتحليل بدل الحفظ والاسترجاع.
3-تعميق الفهم المفاهيمي
يسهم الاستقصاء في بناء فهم عميق للمفاهيم من خلال الربط بين النظرية والتطبيق وتحليل الأدلة.
4-تعزيز التفكير العلمي
أوضحت الدراسات تنامي مهارات التفكير العلمي، مثل الملاحظة الدقيقة والاستدلال والتفسير القائم على البيانات.
5-دعم تطبيق المعرفة
أظهرت البحوث قدرة أعلى لدى المتعلمين على توظيف المعرفة في مواقف جديدة وغير مألوفة.
6-رفع الدافعية للتعلم
يساعد الفضول العلمي والتجريب المنظم على زيادة الدافعية والانخراط الفعّال في التعلم.
7-تنمية الاستقلالية المعرفية
أكدت النتائج نمو الاعتماد على الذات وتنظيم التعلم واتخاذ القرار المعرفي لدى المتعلمين.
8-تحسين مهارات الاستقصاء
يسهم هذا المدخل في إتقان مهارات جمع البيانات وتحليلها وتقييم مصادرها.
9-ملاءمته لمراحل ومجالات متعددة
بيّنت الدراسات فاعليته عبر مراحل دراسية ومقررات مختلفة عند مواءمة التصميم مع طبيعة المحتوى.
10-ارتباط الفاعلية بجودة التطبيق
خلصت البحوث إلى أن الأثر الإيجابي يتعزز بالتخطيط الجيد، والتوجيه المرن، والتقويم المناسب.
وعلى الرغم من هذه النتائج الإيجابية، تشير الخبرات الميدانية إلى وجود معوقات قد تحد من فاعلية التطبيق إذا لم تُدار بعناية. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى مناقشة التحديات التي تواجه تطبيق التعلم القائم على الاستقصاء لفهم القيود العملية والتنظيمية وسبل معالجتها.
التحديات التي تواجه تطبيق التعلم القائم على الاستقصاء
يواجه التعلم القائم على الاستقصاء عند تطبيقه داخل البيئات التعليمية الواقعية مجموعة من التحديات التربوية والتنظيمية التي قد تحد من فاعليته إذا لم تُدار بصورة واعية ومخططة، كالتالي:
- ضيق الوقت المخصص للحصص الدراسية مقارنة بما يتطلبه الاستقصاء من مراحل بحث وتحليل ومناقشة.
- كثافة المناهج الدراسية وضغط إنجاز المحتوى وفق الخطط الزمنية المحددة.
- تفاوت قدرات المتعلمين في مهارات البحث العلمي والاستقصاء المنهجي.
- صعوبة مواءمة مستوى الاستقصاء مع الفروق الفردية داخل الصف الواحد.
- التحديات المرتبطة بتقويم العمليات البحثية لا النتائج النهائية فقط.
- الاعتماد على أدوات تقويم تقليدية لا تعكس مسار التفكير العلمي لدى المتعلم.
- ضعف خبرة بعض المعلمين في تصميم أنشطة استقصائية فعّالة.
- الحاجة إلى توازن دقيق بين التوجيه والإتاحة الحرة للاستقصاء.
- احتمالية شعور بعض المتعلمين بالإرباك أو الإحباط عند غياب الدعم الكافي.
- الحاجة إلى بيئة تعليمية داعمة من حيث الموارد والإمكانات والتجهيزات.
وفي ضوء هذه التحديات، تتجه الحاجة إلى تأمل واقع تطبيق التعلم القائم على الاستقصاء في البيئة التعليمية السعودية، وما يرتبط به من سياسات ومبادرات تطوير مهني وممارسات صفية. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى مناقشة التعلم القائم على الاستقصاء في السياق التعليمي السعودي لفهم فرص التكييف والتطوير بما ينسجم مع خصوصية النظام التعليمي ومتطلباته المستقبلية.
التعلم القائم على الاستقصاء في السياق التعليمي السعودي
يتوافق التعلم بالاستقصاء مع مسار التحول التعليمي في المملكة العربية السعودية، إذ يدعم تنمية مهارات التفكير والبحث والابتكار، ويعزز دمج البحث في عملية التعلم بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، كالتالي:
- دعم الانتقال نحو تعليم جامعي يدمج البحث العلمي في المقررات الدراسية.
- تنمية مهارات التفكير العلمي والاستدلال لدى المتعلمين في مختلف التخصصات.
- تعزيز قدرة المتعلمين على طرح الأسئلة البحثية وبناء الفرضيات بصورة منهجية.
- مواءمة الممارسات التعليمية مع متطلبات الاقتصاد المعرفي.
- تشجيع التعلم النشط القائم على التساؤل والتحليل بدل التلقي السلبي.
- دعم تطوير المناهج بما يتيح مواقف تعليمية قائمة على الاستقصاء والبحث.
- تعزيز دور المتعلم كباحث مشارك في إنتاج المعرفة.
- تنمية مهارات الابتكار وحل المشكلات المرتبطة بقضايا واقعية.
- دعم التكامل بين التعليم الجامعي والبحث العلمي التطبيقي.
- الإسهام في إعداد متعلمين وباحثين قادرين على الإسهام في التنمية المعرفية الوطنية.
وانطلاقًا من هذا التوجه نحو توظيف التعلم القائم على الاستقصاء في السياق التعليمي السعودي، تبرز الحاجة إلى التحقق من مدى تحقق أهدافه وأثره الفعلي على نواتج التعلم وجودة المخرجات البحثية. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال إلى مناقشة تقويم فاعلية التعلم القائم على الاستقصاء بوصفه أداة أساسية لضبط جودة التطبيق وتحسين الممارسات التعليمية بصورة مستمرة.
تقويم فاعلية التعلم القائم على الاستقصاء
يرتكز الحكم على أثر التعلم بالاستقصاء على منظومة تقويمية شاملة تكشف جودة الممارسة البحثية ومسار التفكير العلمي لدى المتعلمين، بما يضمن تحسين التطبيق ودعم تنمية مهارات البحث بصورة مستدامة، كالتالي:
1-تقويم الأداء البحثي
يركز هذا المدخل على قياس قدرة المتعلم على ممارسة خطوات البحث فعليًا، من تحديد المشكلة إلى بناء الاستنتاجات، بما يعكس كفاءة الأداء لا حفظ المحتوى.
2-الملاحظة المنظمة لمسار الاستقصاء
تُستخدم الملاحظة المنظمة لرصد سلوكيات البحث أثناء التنفيذ، مثل طرح الأسئلة، وتنظيم العمل، واتخاذ القرارات العلمية في الوقت المناسب.
3-تحليل تقارير الاستقصاء
يسهم تحليل التقارير في الكشف عن عمق الفهم وجودة التفسير وربط النتائج بالإطار النظري، وهو مؤشر مباشر على نضج التفكير البحثي.
4-قياس مهارات البحث العلمي
تعتمد أدوات خاصة لقياس مهارات محددة، مثل صياغة الأسئلة، وبناء الفرضيات، وتحليل البيانات، بما يضمن تقويمًا دقيقًا للقدرات البحثية.
5-التقويم البنائي المستمر
يدعم التقويم البنائي متابعة تطور التعلم خلال مراحل الاستقصاء، مع تقديم تغذية راجعة فورية لتحسين المسار قبل الوصول للنتائج النهائية.
6-التقويم الذاتي والتأمل البحثي
يساعد التقويم الذاتي المتعلم على مراجعة أدائه وتقويم خطواته البحثية، بما يعزز الوعي بعملية التعلم وتنظيمها ذاتيًا.
7-ربط التقويم بالأهداف التعليمية
يضمن هذا الربط اتساق أدوات التقويم مع نواتج التعلم المستهدفة، ويمنع الفصل بين الممارسة البحثية ومتطلبات المقرر.
8-توظيف نتائج التقويم للتحسين
تُستخدم نتائج التقويم لتطوير تصميم أنشطة الاستقصاء وأدواته، وتحسين فاعلية التطبيق ودعم جودة المخرجات التعليمية والبحثية.

الخاتمة
يُستنتج مما سبق أن التعلم القائم على الاستقصاء يمثل مدخلًا تربويًا فعّالًا لتنمية مهارات البحث العلمي وبناء التفكير العلمي لدى المتعلمين، متى ما طُبق ضمن إطار منهجي واضح ودعم تربوي مناسب. ويُسهم هذا المدخل في إعداد متعلمين يمتلكون القدرة على التساؤل والتحليل والاستنتاج، بما يواكب متطلبات التعليم الحديث والخصوصية التعليمية في المملكة العربية السعودية.
دور منصة إحصائي في دراسة فاعلية التعلم القائم على الاستقصاء
تدعم منصة إحصائي الباحثين في تصميم الدراسات التربوية التي تقيس أثر التعلم بالاستقصاء في تنمية مهارات البحث العلمي، وتحليل البيانات باستخدام الأساليب الإحصائية المناسبة، وتفسير النتائج في ضوء الأدبيات التربوية الحديثة، وعرض النتائج وفق معايير التحكيم الأكاديمي المعتمدة في الجامعات السعودية.
المراجع
Ernst, D. C., Hodge, A., & Yoshinobu, S. (2017). What is inquiry-based learning. Notices of the AMS, 64(6), 570-574.



